نصر حامد أبو زيد

183

الاتجاه العقلي في التفسير

المتشابه هو الدليل الغامض الذي يحتاج لمزيد من النظر حتى يدل . أمّا على مستوى اللغة العادية - كلام البشر - فسيصبح الكلام الخالي من القرينة والذي يدل بظاهره هو الدليل الواضح ، والغامض هو الذي لا يدل بظاهره وإنما يحتاج لمضامة القرينة حتى يدل . وكل ذلك يتساوى في النهاية ، أي يتساوى مفهوم المحكم والمتشابه ، مع مفهوم اللغة الحقيقية واللغة المجازية ، وبالتالي يصبح التأويل في المتشابهات هو الوسيلة لرفع غموضها بردها إلى المحكم ، ويصبح المجاز هو الأداة الرئيسية لعملية التأويل هذه . وهذه المقابلة بين الاستدلال اللغوي والاستدلال العقلي يعقدها القاضي عبد الجبار بشكل يؤكّد ما نذهب إليه . يقول : « اعلم أن الغرض بكتاب اللّه جل وعز التوصل به إلى العلم بما كلفناه وبما يتصل بذلك من الثواب والعقاب ، والقصص وغيره . والعلوم قد يجوز أن يكون الصلاح فيها أن تكون ضرورية وأن تكون مكتسبة . ومتى كانت ضرورية فقد يكون الصلاح أن يتوصل إليها بمعاناة ، وقد يكون الصلاح في خلافه وكذلك المكتسب قد يكون الصلاح في أن ينجلي طريقه ، وقد تكون المصلحة في أن يغمض ذلك . وصارت العلوم في هذا الوجه بمنزلة سائر الأفعال التي يفعلها اللّه والتي يكلفناها . فإذا ثبت ذلك ، فكما ليس لأحد من أصحاب المعارف أن يقول : ما الفائدة في أن نكلف اكتساب المعرفة باللّه عز وجل وبتوحيده وعدله ، وهلا جعل ذلك أجمع في العلوم الضرورية ، ليكون أجلى ولتزول الشبه والشكوك ، فكذلك لا يجوز لهذا السائل مثله في طرق الأدلة فيقول : هلا جعلها عز وجل متفقة في الوضوح ! وبمثل ذلك أبطلنا قول من قال بنفي القياس والاجتهاد إذا عوّل على أن النصوص تزول عنها الريب فيجب أن تكون الأحكام مستدركة بها ، فقلنا : إن المصلحة قد تختلف في طرق الأحكام كما تختلف في نفس الأحكام ، فكما لا يجوز أن يقال فيها : إنه يجب أن يجري على وجه واحد ، فكذلك القول في طريقها وأدلتها » 156 وهذا الاختلاف بين الأدلة في وضوح بعضها وغموض بعضها الآخر يردّ إلى مصلحة خاصة بالمكلف ، وهي مصلحة ترتد إلى إثارة العقل « لأنه لا يمتنع أن يكون الصلاح في بعض الأدلة أن يستقل بنفسه فيعرف المراد به بانفراده ، وفي بعضها أن لا يعرف المراد به إلّا مع غيره ، ألا ترى أن العادة قد جرت أنّا نعلم المدركات الواضحة بالادراك ، ولا نعلم بالاخبار ما تتناولة إلّا إذا تكررت ، وكذلك المدركات إذا غمضت . فإذا جاز اختلاف المصالح فيما يفعله تعالى من العلوم ، ففيها ما يفعله تعالى ابتداء . وفيها ما يفعله عن سبب واحد ، وفيها ما يفعله عن أسباب ، بحسب ما يعلم من الصلاح » 157 . وبفكرة الصلاح يعود القاضي للرد على التساؤل الذي يمكن أن يثار حول أهمية القرآن إذا كان العقل وحده يستطيع أن يعرف اللّه بكل صفاته من